الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

95

مختصر الامثل

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( 107 ) الغرض من النسخ : الآية الأولى تشير أيضاً إلى بعد آخر من أبعاد حملة التشكيك اليهودية ضد المسلمين . كان هؤلاء القوم يخاطبون المسلمين أحياناً قائلين لهم إنّ الدين دين اليهود وأنّ القبلة قبلة اليهود ، ولذلك فإنّ نبيّكم يصلي تجاه قبلتنا ( بيت المقدس ) ، وحينما نزلت الآية ( 144 ) من هذه السورة وتغيرت بذلك جهة القبلة ، من بيت المقدس إلى مكة ، غيّر اليهود طريقة تشكيكهم ، وقالوا : لو كانت القبلة الأولى هي الصحيحة ، فلم هذا التغيير ؟ وإذا كانت القبلة الثانية هي الصحيحة ، فكل أعمالكم السابقة - إذن - باطلة . القرآن الكريم في هذه الآية يرد على هذه المزاعم وينير قلوب المؤمنين ، ويقول : « مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا » « 1 » . وليس مثل هذا التغيير على اللَّه بعسير « أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . الآية التالية تؤكد مفهوم قدرة اللَّه سبحانه وتعالى وحاكميته في السماوات والأرض وفي الأحكام ، فهو البصير بمصالح عباده : « أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . وفي هذه العبارة من الآية أيضاً تثبيت لقلوب المؤمنين ، كي لا تتزلزل أمام حملات التشكيك هذه ، وتستمر الآية في تعميق هذا التثبيت ، مؤكدة أنّ المجموعة المؤمنة ينبغي أن تعتمد على اللَّه وحده ، وتستند إلى قوته وقدرته دون سواه ، فليس في هذا الكون سند حقيقي سوى اللَّه سبحانه : « وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىّ وَلَا نَصِيرٍ » . أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 108 ) سبب النّزول روي عن ابن عباس أنّه قال : إنّ رافع بن حرملة ، ووهب بن زيد قالا لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله :

--> ( 1 ) « النسخ » : في اللغة الإزالة ، وفي الاصطلاح تغيير حكم شرعي واحلال حكم آخر محله .